ابن الحسن النباهي الأندلسي

88

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الملبّس الذي يخاف أن تدخل عليه فيه داخلة ، طوّل فيه أبدا ، ولوّاه حتّى يصطلح أهله . وكان يقول : « صاحب الباطل ، إذا طوّل عليه ترك طلبه ورضي باليسير فيه . وقد كثر الآن شهود الزور ، والتبست الأمور ؛ فرأيت هذا المطل أخلص لي » وقد علمت حديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في القتيل الذي وجدته يهود ، وأنّه ، لمّا أشكل عليه الأمر من عنده ، قال أحد أصحابه مداعبا : « أفتنشط أنت - رحمك اللّه - أن تعطي الصلح من عندك ، إذا التبست عليك المسألة ؟ » فتبسّم وقال : « لا ! إنما هذا على الإمام الذي بيده بيت المال ؛ ليس هذا عليّ ! » . وقال الحسن : وجدت بخطّ الخليفة الحكم المستنصر باللّه : سمعت القاضي أحمد بن مخلد يخطب يوما ؛ فقال في فصل الدعاء منها ، لمّا انتهى إلى قوله : أخلصوا اللّه دعاءكم ! ثمّ سكت مليّا ؛ فلمّا ظنّ الناس قد دعوا ، انبعث وقال : « اللّهمّ ! وقد دعاك هذا النفر من عبادك ، الساعون لثوابك ، المجتمعون ببابك ، فزعا من عقابك ، وطمعا في ثوابك ؛ وقبلهم من الذنوب ما قد أحاط به علمك ، وأحصاه حفظتك ؛ فعد عليهم في موقفهم هذا برحمة توجب لهم جنّتك ، وتجيرهم بها من عذابك ! آمين ! يا أرحم الراحمين ! » . قال مالك بن القاسم : وكان أحمد بن بقي شديد الحفظ للقرآن ، كثير التلاوة له ، يقوم به آناء « 1 » ليله ونهاره . وكان ، على شدّة حفظه ، يلتزم تلاوته في المصحف على نحو ما كان يلتزمه أبوه بقيّ بن مخلد « 2 » للفضل من النظر فيه ؛ متقشّفا ، دمثا ، صبورا ، يتلقّى من أساء إليه وإلى أبيه قبله بالصفح ، والمغفرة للزلة ، ووضع الحسنة مكان السيئة . ولما توفّي ، صلّى عليه ولده عبد الرحمن بإيصاء أبيه إليه بذلك ، وسنه أربع وستّون سنة .

--> ( 1 ) الآناء : جمع الأنى وهو كلّ النهار . محيط المحيط ( أنى ) . ( 2 ) بقي بن مخلد إمام مجتهد وحافظ مفسّر ، من أهل قرطبة ، توفي سنة 276 ه . ترجمته في جذوة المقتبس ( ص 177 - 179 ) وبغية الملتمس ( ص 245 - 247 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 169 - 171 ) ونفح الطيب ( ج 2 ، ص 47 ، 518 - 520 ) والصلة ( ص 195 - 198 ) وتذكرة الحفاظ ( ج 2 ص 184 ) وتهذيب تاريخ ابن عساكر ( ج 3 ص 277 ) وطبقات الحنابلة ( ص 79 ) والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم ( ص 100 ) .